أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
435
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« أَنْ » و « أنّ » بشرط أمن اللبس ، يعني أن يكون الحرف متعينا نحو : « عجبت أن تقوم » أي : من أن تقوم ، بخلاف « ملت إلى أن تقوم » أو « عن أن تقوم » والآية من هذا القبيل . والجواب : أن المعنيين صالحان يدل عليه ما ذكرت لك من سبب النزول فصار كلّ من الحرفين مرادا على سبيل البدل . قوله : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ فيه ثلاثة أوجه : الأول : - وهو الظاهر - أنه معطوف على « يَتامَى النِّساءِ » أي : ما يتلى عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين ، والذي تلي عليهم فيهم قوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ « 1 » ، وذلك أنهم كانوا يقولون : لا نورّث إلا من يحمي الحوزة ويذبّ عن الحرم فيحرمون المرأة والصغير فنزلت . والثاني : أنّه في محلّ جر عطفا على الضمير في « فِيهِنَّ » ، وهذا رأي كوفي . والثالث : أنه منصوب عطفا على موضع « فِيهِنَّ » أي : ويبيّن حال المستضعفين . قال أبو البقاء : « وهذا التقدير يدخل في مذهب البصريين من غير كلفة » يعني أنه خير من مذهب الكوفيين ، حيث يعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار . قوله : وَأَنْ تَقُومُوا فيه خمسة أوجه : الثلاثة المذكورة فيما قبله فيكون هو كذلك لعطفه على ما قبله ، والمتلوّ عليهم في هذا المعنى قوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ « 2 » ونحوه . والرابع : النصب بإضمار فعل . قال الزمخشري : « ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار « يأمركم » ، بمعنى : ويأمركم أن تقوموا ، وهو خطاب للأئمة بأن ينظروا إليهم ويستوفوا لهم حقوقهم ولا يدعوا أحدا يهتضم جانبهم » ، فهذا الوجه من النصب غير الوجه الذي ذكرته فيما قبل . والخامس : أنه مبتدأ وخبره محذوف أي : وقيامكم لليتامى بالقسط خير لكم . وأول الأوجه أوجه . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 128 إلى 130 ] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 128 ) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً ( 130 ) قوله تعالى : وَإِنِ امْرَأَةٌ : « امْرَأَةٌ » فاعل بفعل مضمر واجب الإضمار ، وهذه من باب الاشتغال ، ولا يجوز رفعها بالابتداء لأنّ أداة الشرط لا يليها إلا الفعل عند جمهور البصريين خلافا للأخفش والكوفيين ، والتقدير :
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 11 ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 2 ) .